مجمع البحوث الاسلامية

584

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سعادات لا تصل العقول إلى وصفها ألبتّة . واعلم أنّه تعالى لمّا قال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بيّن الشّي الّذي به يبشّرهم ، وهو أمور : أوّلها : قوله : بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ، وثانيها : قوله : وَرِضْوانٍ . وأنا أظنّ - والعلم عند اللّه - أنّ المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً الفجر : 28 ، والرّحمة كون العبد راضيا بقضاء اللّه ؛ وذلك لأنّ من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النّعمة والبلاء . ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغيّر حاله ، لأنّ المبلي والمنعم منزّه عن التّغيّر . فالحاصل أنّ حاله يجب أن يكون منزّها عن التّغيّر . أمّا من كان طالبا لمحض النّفس كان أبدا في التّغيّر من الفرح إلى الحزن ، ومن السّرور إلى الغمّ ، ومن الصّحّة إلى الجراحة ، ومن اللّذّة إلى الألم ؛ فثبت أنّ الرّحمة التّامّة لا تحصل إلّا عندما يصير العبد راضيا بقضاء اللّه . فقوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ هو أنّه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضيا بقضائه ، ثمّ إنّه تعالى يصير راضيا ، وهو قوله : ( ورضوان ) ، وعند هذا تصير هاتان الحالتان المذكورتان في قوله : راضِيَةً مَرْضِيَّةً وهذه هي الجنّة الرّوحانيّة النّورانيّة العقليّة القدسيّة الإلهيّة . ثمّ إنّه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنّة العالية المقدّسة ذكر الجنّة الجسمانيّة ، وهي قوله : وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خالِدِينَ فِيها أَبَداً التّوبة : 21 . ( 16 : 15 ) القرطبيّ : أي يعلمهم في الدّنيا ما لهم في الآخرة من الثّواب الجزيل والنّعيم المقيم . ( 8 : 93 ) أبو حيّان : أسند التّبشير إلى قوله : ( ربّهم ) لما في ذلك من الإحسان إليهم بأنّ مالك أمرهم ، والنّاظر في مصالحهم هو الّذي يبشّرهم ، فذلك على تحقيق عبوديّتهم لربّهم . ( 5 : 21 ) الآلوسيّ : قرأ حمزة ( يبشرهم ) بفتح الياء ، وسكون الباء ، وضمّ الشّين والتّخفيف ، على أنّه من « بشر » الثّلاثي ، وأخرجها أبو الشّيخ عن طلحة بن مصرّف ، وفي التّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضمير « هم » وكونه سبحانه هو المبشّر ، ما لا يخفي من اللّطافة واللّطف . ( 10 : 69 ) الطّباطبائيّ : ظاهر السّياق أنّ ما يعدّه من الفضل في حقّهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السّابقة من فوزهم ، جيء به بلسان التّبشير ، فالمعنى : ( يبشّرهم ) أي هؤلاء المؤمنين رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ عظيمة لا يقدّر قدرها . ( 9 : 206 ) يبشّرك 1 - فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً . . . آل عمران : 39 وأمّا قوله : يُبَشِّرُكَ فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بتشديد الشّين ، وضمّ الياء ، على وجه تبشير اللّه زكريّا بالولد ، من قول النّاس : بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا ، أي أتته بشارات البشرى بذلك . وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم ( انّ اللّه يبشرك ) بفتح الياء وضمّ الشّين وتخفيفها ، بمعنى أنّ اللّه